السيادة المشروطة ومسألة الدولة الفلسطينية: مدى قانونية اشتراط نزع السلاح في القانون الدولي
01. مقدمة
في السنوات الأخيرة، طرحت مبادرات متكررة تهدف إلى تسوية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي فكرة جعل السيادة الفلسطينية مشروطة بنزع السلاح الدائم. فعلى سبيل المثال، نصّ “إعلان نيويورك”1 الصادر عقب مؤتمر الأمم المتحدة الأخير بشأن حل الدولتين على خطة مرحلية لإنشاء “دولة فلسطينية منزوعة السلاح إلى جانب إسرائيل”. كما دعت كل من المملكة المتحدة وفرنسا وكندا وأستراليا إلى الاعتراف الأحادي بدولة فلسطينية منزوعة السلاح2. ويرى مؤيدو هذا الطرح أن نزع السلاح ضروري لتحقيق السلام الإقليمي وضمان أمن إسرائيل3.
وفكرة فرض قيود عسكرية على الدول الحديثة النشأة أو الخارجة من النزاعات ليست جديدة في القانون الدولي. فقد فُرضت مثل هذه القيود على ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية بموجب معاهدات السلام4. كما فُرض نظام لنزع السلاح الإقليمي في جزر آلاند بموجب اتفاقية جزر آلاند لعام 19215.
إلا أنّ تلك الحالات كانت تتعلق بدول أو أقاليم قائمة ومعترف بها بالفعل في القانون الدولي، بينما يتمثل مقترح نزع السلاح في الحالة الفلسطينية كشرط لقيام الدولة ذاتها. ومن ثمّ، فإن فكرة “الدولة الفلسطينية المنزوعة السلاح” تمثل خروجاً عن الممارسة الدولية السابقة، وتثير إشكاليات قانونية جوهرية حول ما إذا كان القانون الدولي يسمح بنموذج للسيادة يُجرّد الدولة من أحد أهم عناصرها الأساسية، وهو الحق في تحديد سياسات الدفاع والأمن الوطني.
وفي ضوء ما سبق، يهدف هذا المقال إلى بحث السؤال الآتي:
02.تعارض شرط نزع السلاح مع مبدأ المساواة في السيادة بين الدول
تُعد السيادة في القانون الدولي من الخصائص الجوهرية المعرِّفة للدولة6. ويقوم ميثاق الأمم المتحدة على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، بينما تحدد اتفاقية مونتفيديو لعام 19337 المعايير التقليدية لقيام الدولة وهي: السكان، والإقليم، والحكومة، والقدرة على الدخول في علاقات مع الدول الأخرى.
ورغم أن القدرة العسكرية غير مذكورة ضمن المعايير الرسمية لقيام الدولة وفقاً لاتفاقية مونتفيديو8، فإن قدرة الدولة على حماية إقليمها واستقلالها السياسي اعتُبرت تقليدياً من الوظائف الجوهرية للسيادة9. وعليه، فإن دولة فلسطينية منزوعة السلاح بصورة دائمة ستتمتع بوضع سيادي أدنى، لا سيما إذا احتفظت الدول المجاورة بكامل قدراتها العسكرية.
03.تعارض شرط نزع السلاح مع حق الدفاع الشرعي عن النفس
تنص المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة على “الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن النفس”. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية ضد نيكاراغوا10 أن المادة (51) تعكس حقاً أصيلاً في الدفاع الشرعي بموجب القانون الدولي العرفي.
ورغم أن المادة (51) لا تفرض على الدول الاحتفاظ بقوات مسلحة، فإن فرض نزع السلاح قد يُضعف بصورة كبيرة القدرة العملية للدولة الفلسطينية على ممارسة هذا الحق الأصيل، نظراً لافتقارها إلى الوسائل العسكرية اللازمة لحماية سلامتها الإقليمية أو سكانها.
04.تعارض شرط نزع السلاح مع حق تقرير المصير
يُعتبر حق الشعوب في تقرير المصير من المبادئ الأساسية الراسخة في القانون الدولي، وقد ورد في ميثاق الأمم المتحدة11، ومعاهدات حقوق الإنسان12، وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة13، واجتهادات محكمة العدل الدولية14.
كما يرى العديد من فقهاء القانون الدولي أن حق تقرير المصير اكتسب صفة القاعدة الآمرة أي القاعدة التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو الانتقاص منها15.
ويشمل حق تقرير المصير حق الشعوب في اختيار وضعها السياسي بحرية، وتحديد كيفية تنظيم دولتها، بما في ذلك هياكل الأمن والدفاع الوطني16. ومن ثمّ، فإن فرض نزع السلاح قد يتعارض مع مبدأ حرية الشعوب في تحديد نظامها السياسي ومستقبل مؤسساتها.
فإذا قامت أطراف خارجية بفرض شرط مسبق يقضي ببقاء الدولة الفلسطينية المستقبلية منزوعة السلاح بصورة دائمة، فإن الشعب الفلسطيني يُحرم من حرية تقرير ما إذا كان يرغب في الاحتفاظ بقوات مسلحة، وكيفية تنظيم منظومة الدفاع الوطني الخاصة به. وعليه، لن يكون الفلسطينيون أحراراً بصورة كاملة في تحديد طبيعة دولتهم.
05.الحجج القانونية المستخدمة لتبرير فرض نزع السلاح
لا يحظر القانون الدولي وجود دول منزوعة السلاح17. وكما ذُكر أعلاه، فإن اتفاقية مونتفيديو لعام 1933 تحدد السكان والإقليم والحكومة والقدرة على إقامة العلاقات الدولية كمعايير تقليدية للدولة، دون إدراج القدرة العسكرية ضمنها.
وقد قبلت بعض الدول سابقاً، وبصورة طوعية، فرض قيود عسكرية على نفسها، مثل إلغاء كوستاريكا لجيشها18، والقيود العسكرية المفروضة على اليابان بعد الحرب العالمية الثانية19.
ومن هذا المنظور، لا تستلزم السيادة بالضرورة امتلاك قدرة عسكرية كاملة، ويجوز للدول أن توافق قانوناً على قيود تتعلق بالنشاط العسكري من خلال المعاهدات، مثل اتفاقيات الحد من التسلح20 أو إنشاء مناطق منزوعة السلاح21.
وبناءً عليه، قد يُنظر إلى نزع السلاح الفلسطيني باعتباره ترتيباً قانونياً مشروعاً يهدف إلى الحفاظ على السلام الإقليمي، إذا وافقت الدولة الفلسطينية عليه بصورة طوعية. إلا أنه من الضروري التمييز بين القبول الطوعي والشرط المفروض من الخارج.
06.الحجة الأمنية
من منظور التيار العملي (البراغماتية) في القانون الدولي، يمكن النظر إلى نزع السلاح باعتباره أداة عملية تهدف إلى منع تجدد النزاع المسلح. ووفقاً لهذه النظرة، قد يتم تطبيق قواعد القانون الدولي بصورة مرنة بما يساهم في تحقيق السلم والأمن الدوليين22.
وقد يؤدي هذا الجدل إلى ظهور أشكال جديدة من “السيادة23” في الممارسة الدولية، حيث يُطلب من بعض الدول قبول قيود لا تُفرض على دول أخرى باسم الحفاظ على السلم الدولي.
غير أن شرعنة نزع السلاح المفروض يؤدي الى إنشاء قبول فئات متفاوتة من السيادة، بحيث تتمتع بعض الدول بكامل الصلاحيات السيادية، بينما تنشأ دول أخرى تحت قيود خارجية دائمة، الأمر الذي يثير مخاوف جدية بشأن التطبيق غير المتكافئ لمبادئ القانون الدولي.
المراجع
- كردستان 24، “إعلان نيويورك يُكشف عنه: خطة مرحلية تتصور إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح إلى جانب إسرائيل”، 30 يوليو 2025، متاح إلكترونياً على الرابط التالي: kurdistan24.net
- مجلة إنتليجنسر – نيويورك ماغازين، “الحجة المؤيدة لاعتراف الديمقراطيين بالدولة الفلسطينية”، 24 سبتمبر 2025، متاح إلكترونياً على الرابط التالي: nymag.com
- معهد الشرق الأوسط، “التحديات الأمنية في حل الدولتين: هل يُعد الدور الدولي هو المفتاح؟”، 4 يونيو 2013، متاح إلكترونياً على الرابط التالي: mei.edu
- يُراجع في هذا الصدد: فيليب تاول، Enforced Disarmament: From the Napoleonic Campaigns to the Gulf War، Oxford Academic Books، 1997.
- يُراجع: “The 1921 Convention on the Non-Fortification and Neutralisation of the Åland Islands as an integral part of the Åland Solution”، Journal of Autonomy and Security Studies، المجلد 6، العدد 1، 2022، الصفحات 20–27.
- ميثاق الأمم المتحدة، المادة (2/1)؛ وإعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 (د-25) لعام 1970).
- “اتفاقية مونتيفيديو بشأن حقوق وواجبات الدول (1933)”، المادة الاولى.
- جيمس كروفورد، “معايير قيام الدولة في القانون الدولي”، British Yearbook of International Law، المجلد 48، 1977، الصفحات 93–182.
- إيان براونلي، Principles of Public International Law، Oxford: Clarendon Press، 1966.
- قضية Military and Paramilitary Activities in and against Nicaragua (Nicaragua v. United States of America)، الحكم في الأساس، International Court of Justice (ICJ)، ICJ Reports 1986، ص. 14.
- المادتان (1/2) و(55) من ميثاق الأمم المتحدة.
- المادة المشتركة الأولى من كل من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
- قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514 (د-15) لعام 1960 بشأن إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 (د-25) لعام 1970 بشأن إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول.
- الرأي الاستشاري بشأن الصحراء الغربية، وقضية تيمور الشرقية، والرأي الاستشاري المتعلق بالجدار الفاصل.
- أنطونيو كاسيسي، Self-Determination of Peoples: A Legal Reappraisal، Cambridge University Press، 1995.
- المادة المشتركة الأولى من كل من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
- جيمس كروفورد، The Creation of States in International Law، الطبعة الثانية، Oxford University Press، 2007.
- دستور كوستاريكا لعام 1949، المادة 12، والتي تنص على: “يُلغى الجيش كمؤسسة دائمة.”
- دستور اليابان لعام 1947، المادة 9، والتي تنص على أن: “القوات البرية والبحرية والجوية، وكذلك أي قدرات حربية أخرى، لن يتم الاحتفاظ بها أبداً.”
- على سبيل المثال: معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
- على سبيل المثال: اتفاقية جزر أولاند لعام 1921.
- روزالين هيغينز، Problems and Process: International Law and How We Use It، Oxford University Press، 1994.
- “السيادة المهندسة”. يُراجع في هذا الصدد: ستيفن دي كراسنر، Sovereignty: Organized Hypocrisy، Princeton University Press، 1999، حيث يعتبر بأن الممارسة الدولية الحديثة تتسامح بشكل متزايد مع الأشكال المتفاوتة للسيادة؛ وجيري سيمبسون، Great Powers and Outlaw States: Unequal Sovereigns in the International Legal Order، Cambridge University Press، 2004، حيث يعتبر بأن بعض الدول تتمتع بكامل السلطات السيادية بينما تنشأ دول أخرى تحت قيود خارجية دائمة.
ابق على اطلاع بأحدث رؤانا القانونية
احصل على المقالات البحثية وأخبار الفعاليات والإصدارات من معهد إيكويتاس.
